رواية الموريسكي الأخير للكاتب صبحي موسى

قبل أن تشرع في قراءة رواية الموريسكي الأخير أنت في حاجة أولاً إلى معرفة معنى كلمة “موريسكي” أو “موريسكيون” في اللغة والتاريخ.

كلمة “الموريسكيون” تشير إلى المسلمين الذين بقوا في الأندلس تحت الحكم الأسباني المسيحي، بعد أن قام آخر ملوك الأندلس (أبو عبد الله الصغير) بتسليم مفاتيح غرناطة إلى إيزابيلا الأولى وفرديناند ملكي قشتالة. تم التسليم حقنًا لدماء الكثير من المسلمين بعد أن عجز (أبو عبد الله الصغير) عن الصمود، وقرر التسليم بإجماع القادة والفقهاء والعلماء مع توفير بعض الحقوق والامتيازات لأهل الأندلس من المسلمين.

غلاف رواية الموريسكي الأخير
غلاف رواية الموريسكي الأخير

هذه الامتيازات تم توقيعها في معاهدة ومضى عليها ملكي قشتالة وتعهدوا بتنفيذها. وكان من تلك الامتيازات:

“أنّ للموريسكيين أن يحتفظوا بدينهم وممتلكاتهم. أن يخضع الموريسكيون لمحاكمة قضاتهم حسب أحكام قانونهم وليس عليهم ارتداء علامات تشير لكونهم موريسكيين كما هو الحال مع عباءة اليهود. ليس عليهم دفع ضرائب للملكين المسيحيين تزيد على ما كانوا يدفعونه. لهم أن يحتفظوا بجميع أسلحتهم ماعدا ذخائر البارود. يُحتَّرَم كل مسيحي يصبح موريسكي ولا يعامل كمرتد. أن الملكين لن يعينا عاملا إلا من كان يحترم الموريسكيين ويعاملهم بحب وإن أخلّ في شيء فإنه يغير على الفور ويعاقب. للموريسكيين حق التصرف في تربيتهم وتربية أبنائهم.”

وبالطبع – كما هي عادة الكفر وأهله مع الإسلام – غدر فرديناند وإيزابيلا ونقضا العهد الذي أقسما بشرفهما الملكي على الحفاظ عليه. وعليه بدأت عمليات الاضطهاد الصريحة، والتنصير القصري لأهل الأندلس، بالإضافة إلى أنه سواء أكان هناك من تنصر من المسلمين حقيقة أو يراءي حتى يأمن على حاله وعياله، فإنه لا يتمتع بأي حقوق كتلك التي يتمتع بها النصارى الأسبان. فيظل اسمه موريسكي، ويُعامل بامتهان وبعنصرية واضحة، ولا يثق في انتماءاتهم القساوسة، ويتربص بهم الحكام، ويتحرش بهم العسكر وسفهاء النصارى، مما أدى إلى ثورة البشرات التي تم بناء عليها تكوين جيش جديد للمسلمين كمحاولة أخيرة لإزكاء نار الثورة الإسلامية في الأندلس.

هذه المقدمة البسيطة – والكثير من التفاصيل الأخرى في الواقع – من المفضل أن يكون لديك علم بها قبل أن تقرأ رواية الموريسكي الأخير.

ملخص رواية الموريسكي الأخير

الرواية تتحرك في خطين متوازيين من السرد.

الخط الأول يمثل مراد الشاب المصري الموريسكي الأصل الذي تقطن عائلته المحروسة منذ ما يزيد عن مائتي عام، ولم يتبق منها إلا هو وجدته، ويحاول استرداد حقه في الأوقاف التي تركها أجداده من الحكومة.

الرواية في الخط الأول تتم بصيغة الغائب، و تبدأ أحداثها مع اندلاع ثورة 25 يناير 2011 في مصر وبدء احتشاد الميادين بالبشر، وبالطبع على رأسهم ميدان التحرير في مصر.

الخط الثاني من الرواية، تحكي ما حدث للمسلمين (الموريسكيين) في الأندلس بعد نقض العهد والاضطهاد الذي تعرضوا له نتيجة هذا الغدر، ومقدمات وأسباب حرب البشرات.

الرواية في هذا المسار تُروى بلسان الراوي، والراوي هنا هو محمد بن عبد الله بن جهور، يروي فيها جهاد أبيه لإعادة إشعال جذوة الثورة، واستعادة ما فقده المسلمون في الأندلس. عبد الله بن جهور هو سليل آل جهور في الأندلس، وهي عائلة اشتهرت بتولي الوزارة في حكم بني الأحمر.

على الرغم من صعوبة تركيب الرواية إلا أن القاريء يعتادها بعد القراءة بقليل. فمراد دوره أن يشرح وضع الموريسكي في العصر الحديث، وفي نفس الوقت يعرج على تاريخ أجداده وما جاء بهم إلى المحروسة، مستعرضًا شجرة الأسرة وتفرعها. بينما محمد بن عبد الله بن جهور يحكي الأحداث من قلب الحدث، بالتسلسل الطبيعي، والتي عاصر معظمها بنفسه حتى انتهاء القصة.

بعد الانتهاء من الرواية ستكتشف أن مراد يُكمل ما انتهى إليه محمد بن عبد الله بن جهور في الرواية حتى يصل في النهاية إلى ما وصل إليه الموريسكيون حول العالم الآن.

رواية محمد بن عبد الله بن جهور

تبدأ الرواية بمشهد مأساوي حينما تقتل (مُهجة النفوس) شقيقة محمد، فيندفع أبوها – عبد الله بن جهور – للنيل من قاتليها، فيُلقى باستهزاء يدفعه لمحاولة أكبر من حجمه، فيتم صلبه وقيده لحين عرضه على محاكم التفتيش، تنظر في عقيدته. تستطيع مراجعة مشهد محاكم التفتيش في نهاية الجزء الأول من ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور لترى هزلية وبشاعة تلك النوعية من المحاكمات.

مقتطفات من رواية الموريسكي الأخير
مقتطفات من رواية الموريسكي الأخير

تدفع عائشة – زوجة عبد الله بن جهور – سليلة بيوت الشرف، ثمن حرية زوجها من شرفها للقس الخسيس إيمانويل، قبل أن يصل إليه شياطين محاكم التفتيش، فلا نجاة له، وتترك لزوجها رسالة مع ولدها محمد تقول له فيها: “إن بقاءك حياة لمن مات، وموتك حياة لمن أجرم”. ثم تختفي الأم من أمام ولدها ليُعثر على جثتها طافية في جدول قرية بعيدة بعدها بعدة أيام.

على الرغم من التضحية المهينة لزوجة ابن جهور، إلا أنه ظل منطويًا على نفسه عدة سنوات لا يبرح مكانه، يكتفي بالحد الأدنى من الطعام والشراب الذي يبقيه حيًا. كان هذا حتى ثار عليه يومًا ابن أخيه فرناندو – الاسم الجديد بعد التنصير – ودعاه أن يتحرك لفعل شيء، خير من الموت في ذل العبودية والاضطهاد.

لم توضح الرواية السبب الذي لأجله بدأ ابن جهور في التحرك، ولكنه بدأ بإبعاد ابنه – محمد – عن ساحة الصراع، فأرسله إلى عمه باديث في طليطلة، ليتعلم فيها فنون الكتابة والبناء ويعمل معه في ترميم المقابر والكنائس إمعانًا في التخفي. ظل محمد هناك فترة، وحلت له الحياة المستقرة، حتى أنه بدأ يفكر في الزواج، حتى جاءه نبأ وفاة والده عبد الله بن جهور فجأة.

تلقى محمد صدمة وفاة والده، ورآه في منام مرضه، خلال الهلوسة لخمسة أيام متصلة، ثم عزم على الرحيل من طليطلة والعودة إلى البشرات ليشارك في معمعة القتال مع أهله، أو من تبقى منهم.

رضخ العم باديث إلى طلب محمد، وهيأ له أمر الرحيل بعد أن تعافى، وأصر محمد على الرحيل وحده على الرغم من عرض العم باديث له بالصحبة والحرس، ولكنه أصر على الرحيل وحيدًا إمعانًا في التخفي. وفي الطريق تجلى كمن يبدو كروح أبيه تصاحبه في السفر، وتدله على مواطن الأمن والأمان في الطريق، وبين الفينة والفينة تحكي له – الروح – قبسًا من تاريخ أجداده في الأندلس.

وهذا ديدن الرواية منذ البداية، فينتهز الكاتب صبحي موسى الفرص العدة التي تتيح للرواة الحديث عن تاريخ الأندلس بالكثير من الاستفاضة، وإن ظل هذا الكثير قليل مع تشابك وتعقيد تاريخ الأندلس.

قصة محمد عبد عبد الله بن جهور من رواية الموريسكي الأخير
قصة محمد عبد عبد الله بن جهور من رواية الموريسكي الأخير

وصل محمد بن جهور إلى البشرات، وعينه محمد بن أمية – القائد المختار للثورة – كاتبًا خاصًا له، إكرامًا لأبيه. ومن هذه اللحظة والرواية تأخذ منحى آخر في السرد، شديد الإثارة حتى رحيل الموريسكيين عن الأندلس.

رواية مراد الموريسكي الأخير

رواية مراد تبدو في ظاهرها عصرية، ولكنها في الواقع تحكي تاريخ الموريسكيين منذ بدء ترحيلهم من الأندلس – نهاية رواية محمد بن عبد الله بن جهور – حتى الأيام الراهنة.

يعيش مراد مع جدته – جنى هانم – في المنزل العتيق في وسط البلد، ويقضي وقته بين عمله كرسام في إحدى الجرائد، والذهاب إلى دار الكتب المصرية بحثًا عن حجة الوقف الخاصة بالعائلة ورواق المغاربة.

معه في الرواية بجانب جدته، فتاة يراسلها تُدعى راشيل، وضابط أمن دولة شديد الثقافة يلاعبه لعبة الظهور والاختفاء حتى يبدو الأمر كما لو كان الرجل من عالم آخر.

قصة مراد من رواية الموريسكي الأخير
قصة مراد من رواية الموريسكي الأخير

على عكس الشق الخاص برواية محمد بن عبد الله بن جهور، فالشق الخاص بمراد – الموريسكي الأخير – قليل الأحداث، يتحدث فيها بالكثير من التقتير عن نفسه، وتتسارع فيها الشهور والسنين سريعًا بالمرور الخاطف على الأحداث، كعناوين الأخبار، حتى تمر الرواية منذ بدء ثورة يناير، مرورًا بحكم الإخوان المسلمين لمصر، وانتهاء هذا الحكم في نهاية الرواية، بينما تتخلل رواية مراد الكثير من الذكريات والوقفات والروايات التي تحكيها له جدته جنى هانم والضابط الغامض، وتركيزها الأكبر على تاريخ عائلته وتوزيعة شجرة العائلة.

مؤاخذاتي على رواية الموريسكي الأخير

تجد شخصية مراد في الرواية متمسكًا بموريسكيته، وكأنها منحة يجب الحفاظ عليها، فيعتز بكونه موريسكيًا كما صنعه الأسبان، فلا هو مسلم، ولا هو مسيحي. ويفتخر بهذا الأمر، بشكل عجيب، فلا هو استعاد إسلامه ليكون خالصًا، ولا هو رضى بكونه مسيحيًا، ولكنه موريسكي.

كذلك، تتعامل الرواية مع شخصية عبد الله بن جهور بعد الموت بشكل أقرب إلى الأُلوهية. فيُلقب في الرواية بلقب (العين الراعية) وتمثل تحركات عبد الله بن جهور بعد الموت كشبح في إرشاد أحفاده إلى السير في دروب الحياة، واختيار ما يصلح لهم من قرارات مصيرية متعلقة بالبقاء والرحيل من مكان لآخر، وكذلك عمادة العائلة من شخص لآخر، كأمور خارقة في رؤية وقراءة الغيب.

يتعامل جميع أفراد العائلة مع العين الراعية بشكل مقدس غريب وكأنه إله يحكم مسار الشخصيات والأحداث، ولا يجب مخالفته، وتُصب جام اللعنة والغضب والبؤس والشقاء على من يخالف العين الراعية ويتحداها في مشيئتها.

كل هذا وتجد توافقًا وقبولاً من أبطال الرواية، ولا مؤاخذة واحدة من أحد أطرافها، وكأنه أمر مسلم به.

شراء رواية الموريسكي الأخير

الآن يمكنك شراء رواية الموريسكي الأخير  عبر الإنترنت من موقع جمالون لتصلك حتى باب منزلك.

امتلك الرواية الآن

عن عمرو النواوي

عمرو يحب القراءة. عمرو يحاول أن يحبب الناس في القراءة. عمرو ذكي وحبوب .. كن مثل عمرو :) هذه هي هويتي الشخصية في هذا الموقع: شخص يحب القراءة ويريد أن ينقل هذا الحب للجميع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *