رواية 1919 للكاتب أحمد مراد

رواية 1919 هي الرواية التي أثبتت أن أحمد مراد كاتب شديد البراعة والمرونة، وأن قلمه يستطيع الخوض في أي بحر من بحور القصة.

الرواية – تصنيفيًا – تعتبر رواية تاريخية. نعلم جميعًا أن أدب أحمد مراد يميل إلى الأدب الواقعي، وقد ظهر هذا واضحًا في روايتيه فيرتيجو وتراب الماس. حتى شطحاته في روايته الفيل الأزرق كانت ممتزجة بلمحات بارزة من الوقع، ولم تختلف رواية 1919 في طبيعة الأدب، غير أنها تروي واقع فترة حساسة للغاية من التاريخ المصري .. فترة ثورة 1919.

رواية 1919 تروي واقع شخصيات حقيقية يعرفها بعضنا، وخفيت عن البعض الآخر.  رواية تتوغل إلى أدق تفاصيل حياة شخصيات يُنْظّر إليهم نظرة الزعماء. إلى أدق تفاصيل حياة فئات متباينة للغاية من الشعب المصري، وكيف كان الجو الطبقي يسود الحياة (مثلما هو سائد الآن في الواقع)، وكيف كانت الفجوة، وكيف كان ينظر جميع الأطراف إلى بعضهم البعض.

الرواية بها الكثير، وتحية كبيرة لأحمد مراد على هذه الوجبة الأدبية الدسمة، التي ستجعلنا نتوقف طويلاً أمام موهبة الأديب الشاب، وقلمه المرن الحاذق.

نظرة عامة على رواية 1919

لا أدري حقيقة السر الذي حدى بأحمد مراد إلى سلوك هذا الطريق في الأدب – الأدب التاريخي – فهو شديد الصعوبة، ويحتاج إلى الكثير من الدراسة والبحث والتقصي لكل تفاصيل الحياة في الفترة التي ينوي التحدث عنها. قد تبدو العملية سهلة نسبيًا حينما تنظر إليها من الخارج، ولكن حينما تخوض في غمارها، ستكتشف إلى أي مدى هي صعبة.

ببساطة، العملية تتطلب أن يستقل الكاتب آلة الزمن، ويعود إلى الماضي ليشاهد ويراقب كل شيء لفترة معقولة من الزمن، ثم يخرج الورقة والقلم ويبدأ في الكتابة.

يجب أن يأخذ فكرة كاملة عن مستوى معيشة الناس، وأحوالهم المادية والاقتصادية، المهن المشهورة المنتشرة، العملات المتداولة، والأسماء الدارجة لتلك العملات، والتي يستخدمها الناس في حديثهم.

المهن التي تنتشر بكثرة في ذلك العهد واندثرت في عهدنا (مثل مهنة الطرابيشي)، المهن العليا أو ذات الكعب العالي، والمهن الدنيا، والكلمات المشهورة التي تُستخدم في تلك الصناعة.

غلاف رواية 1919 لأحمد مراد
غلاف رواية 1919 لأحمد مراد

الوضع السياسي، والاحتلال الإنجليزي، وماذا كان يفعل مع المصريين في ذلك الوقت، وكيف كان تعامل المصريين مع المحتلين، وأشكال المقاومة، وكيف كانت تتم، ومن هم روادها، ومتى بدأ استخدام الجهاد المسلح ضد الإنجليز، والكيفية التي كان يُنفذ بها. من هم رواد الصناعة السياسية في ذلك الوقت، وكيف كانت مشاعر أطياف الشعب تجاههم، وما هي درجة الوعي السياسي الخاص بالشعب؟ ستعرج في تلك الحقبة على ألفاظ مثل (جماعات سرية – مقهى ريش – قهوة متاتيا) وغيرها.

الحكم والجيش والإنجليز .. من يحكم مصر حقًا .. هل هو الخديوي؟ السلطان؟ هل له سلطة حقيقية على بلده؟ ما هي مقدار شعبيته؟ ما هي مقدار موالاته للإنجليز؟ هل يستعين بهم على شعبه، أم يستعين بشعبه عليهم؟ هل كان لمصر جيش وقتها؟ كيف كان ضباطه في ذلك الحين؟ هل كان جميعهم ينصاع لأوامر الإنجليز ورضي بالأمر الواقع أم هل هناك متمردون صنعوا حراك ثوري خاص؟

النسيج الاجتماعي .. ممكن تتكون طبقات المجتمع؟ كيف كان الاتصال والتواصل فيما بينهم؟ الدين؟ الأخلاقيات؟ العيوب؟ سترى كيف تُدار بيوت البغاء تحت ستار قانوني، برخص رسمية.

الشخصيات المشهورة في ذلك الوقت .. كيف كان يتعامل معها الشعب؟ سعد زغلول، الملك، الإنجليز، الوزارة، رجال المقاومة المسلحة، الخونة والمرتشون؟

تخيل أن يقوم كاتب بدراسة كل تلك الأطراف قبل أن يشرع في كتابة حرف واحد من روايته. إن رواية 1919 هي المتعة مجسدة، فهي بحق – كما قال دكتور أحمد خالد توفيق عنها – تنقلك بآلة الزمن إلى حقبة تغلي بالأحداث المثيرة.

ملخص رواية 1919

في الواقع من الظلم البين تلخيص عمل في روعة رواية 1919. فسر روعته هو أنه يمتليء بعبق تشتاق النفس إلى أيامه، بالإضافة إلى أنه يتشابه مع أحداث تغلي فيها مصر الآن، من ثورة وتبعيات ثورية، وخونة، وعملاء، ومرتشين، وغيرهم.

تبدأ الرواية بفصل قصير للغاية يشرح فيه مراد الوضع الحالي – حينذاك – في مصر. يشرح الوضع بقلم حيادي لا يميل إلى طرف عن آخر، وكأنه ينظر إلى المشهد من عل، بدءًا من الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882 حتى فبراير 1919. أي قبل اندلاع الثورة بشهر واحد فقط في 9 مارس 1919.

يأخذك مراد بخفة على مهلٍ بعيدًا عن الأحداث التي على وشك الاشتعال، بمشهد خاص بأسرة أرمينية – أب وأم وابنة – جاءت إلى المحروسة هربًا من حملات تطهير عرقي، لتسقط في أحضان وباء السيدة الأسبانية المميت، ليموت الأب والأم، وتبقى الفتاة وحدها مذهولة تصارع حياة لا تعرف الرحمة .. تلك الفتاة كان اسمها الأرمني (فارتوهي) ولكن في مصر سُميت (ورد).

قبل أن تشرع الفتاة في الهرب يستقبلها سلامة النجس بقيوده، زوج بنبة العايقة جارة أمها، وقوادة الحيّ التي تدير بيت للدعارة في نفس العمارة. يتلقفها سلامة النجس بقسوته ونجاسته، ليجبرها على البقاء بالقوة، والعمل معهما في بيت النجاسة.

ثم تنتقل كاميرا مراد بعد ذلك إلى (عبد القادر). ذلك الشاب الطموح الذي لم يجد راحته ولا ثم مال وفير في يده إلا بالتعامل مع الإنجليز، وبيع بضاعته لهم. التزم عبد القادر بزيارة أسبوعية إلى معسكر إنجليزي في الإسماعيلية، يبيعهم فيه كل مالا يستطيع الجنود الحصول عليه بأنفسهم: سجائر، خمور، أطعمة، حلوى، مخللات، وفوق هذا كله: مسحوق كوكايين.

يبيع هذا كله ثم يعود بغنيمته إلى حيّ السيدة زينب حيث مسقط رأسه، وسلطة والده. فتوة المنطقة .. شحاتة الجن.

مقتطفات من رواية 1919
مقتطفات من رواية 1919

شحاتة الجن هذا ملف نفسي كبير يستحق وقفة كبيرة .. وقد أنفق مراد في تحليله الصفحات والصفحات، وهو يستحق كل كلمة فيه، وأكثر.

شحاتة الجنِّ هو فتوة المنطقة الذي صنع فتونته بذراعه خطوة خطوة منذ أن هزم (خليل بطيخة) الفتوة السابق بالضربة القاضية، حتى استتب له نبع الإتاوات من أهل الحيّ – أغنياؤهم وفقراؤهم – والرضا السامي من الإنجليز متمثلة في الضابط (آرثر) مرفق به مرتب شهري لتوطين ثقافة الاحتلال – بلغة العصر – بين أهالي الحيّ.

تمر الأيام بشحاتة الجنِّ وهو على هذا الوضع، حتى يتغير فجأة .. يكبر سنه، وتزيد حكمته، وتحتد بصيرته، ويصبح رأيه أكثر نفاذًا بين الناس، ويصير قلبه أرق على أهل منطقته، شديد على المحتل والاحتلال، وكأنه أدرك فجأة بشاعة ما شارك فيه في أيام فتوته الأولى، ورغب في أن يُصلح ما أفسدته يداه .. شحاتة الجنِّ كانت خاتمته في الرواية مُبهرة، ستعجز شاشات السينما وأكثر المخرجين عبقرية عن تجسيدها، لما حملته من مشاعر و أحاسيس فياضة، استطاع أحمد مراد فقط أن يوصلها إليك لينقلك في قلب الحدث أمامه. أما اللمحة الأخيرة في حياة شحاتة الجن، فهي أن موته كان بمثابة مفتاح الحياة لولده الوحيد .. عبد القادر.

المشهد الثالث في مقهى إﭼـيبسيان في الأزبكية، حيث البطل الثالث والأكثر شهرة وحركة في الرواية، والمهضوم حقه في تاريخ الثورة المصرية .. أحمد عبد الحيّ كيرة. المجاهد بن المجاهد الذي ذاع صيته في تلك الفترة في الحركة المسلحة للاحتلال، وتمنى الإنجليز رقبته بأي ثمن، بعد أن أسقط عدد لا يُحصى من ضباطهم. حتى أن جهاز مخابراتهم كان يلاحقه وأصدر منشورًا رسميًا فيه:

“اقبضوا عليه حيا او ميتا، اسمه أحمد عبدالحي كيرة، كيميائي كان طالباً في مدرسة الطب، خطير في الاغتيالات السياسية، قمحي، قصير القامة وذو شارب خفيف وعمره 28 عاماً.

المشهد الذي رواه مراد من مقهى إﭼـيبسيان كان لأحمد وهو يستدرج أحد ضباط الإنجليز ببراعة فائقة .. إلى حتفه.

أحمد كيرة مع سعد زغلول في رواية 1919
أحمد كيرة مع سعد زغلول في رواية 1919

أما المشهد الرابع والأخير في افتتاحية الرواية فهو من بيت الأمة .. منزل سعد زغلول .. يوم اعتقاله. يأخذك الكاتب في ثنايا النفسية المتقلبة التي تموج باليأس لسعد زغلول قبيل اعتقاله بأيام. يعرج على مشهد لقاؤه البارد مع المندوب السامي البريطاني الذي ختم مقابلته بجملة مستفزة “ومن أنتم لتتحدثوا باسم الأُمَّة؟” وعليه بدأ الوفد حملة جمع التوقيعات.

تموج رأسه بالكثير من العقبات التي لا يعرف سبيلاً إلى الفكاك منها .. كل هذا قبل أن تقتحم السيارات الإنجليزية الوقحة منزله شاهر جنودها أسلحتها في وجه الجميع، قبل اعتقال سعد باشا.

ولا ننسى مشهد الفتاة الشابة رائعة الجمال (نازلي) ابنة عبد الرحيم باشا صبري التي تتعامل مع سعد زغلول وزوجته صفية كالأب والأم، ويبادلها الاثنان نفس المشاعر. هذه الفتاة سيكون لها شأن كبير بعد قليل.

الآن تم عرض أطراف القصة المتباعدة .. بقيَ كيفية الربط فيما بينهم بعقد واحد.

تجميع خيوط الشخصيات في رواية 1919

ورد – الفتاة الأرمينية – تحولت إلى بَغِيّ تعمل في بيت دعارة بنبة العايقة تحت قيادة سلامة النجس، تقابل عبد القادر كزبون يقضي معها ليلة.

صباح هذه الليلة هو اشتعال الثورة. اشتعلت الثورة في الميادين بدءًا من السيدة زينب – حيث نفوذ الفتوة شحاتة الجنّ والد عبد القادر – وبالقرب من بيت الأمة بيت سعد زغلول. اشتعلت الثورة في الميادين، واشتعلت معها ثورة أخرى كانت مكبوتة في قلب شحاتة الجن، فانطلق بنبوته يحصد رؤوس الجنود الإنجليز بنشوة ما بعدها نشوة، وكأنه بطل أُسطوري بُعِثَ من سُباته، يصرخ في قلب القاهرة كاشفًا عن بطل حقيقي غطّاه تراب الإنجليز فترة، فانتفض اليوم ليزيح كل هذا الغبار، ويُسمع الأمّة باسمه.

انطلق شحاتة الجن بمنجل حصاده – نبوته – وحوله أتباعه كفرسان المائدة، حتى وصل إلى صديقه القديم وعدوه اللدود الآن .. الضابط الإنجليزي (آرثر). الآن لحظة الحساب. لم تثنه رصاصة آرثر التي اخترقت ذراعه عن ضرب الحصان ليهوي آرثر تحت الأقدام، ولكن رصاصة آرثر كانت الأسرع، لتكتب نهاية بطل في يوم لن تنساه الأمّة.

المشهد الثوري لشحاتة الجن في المظاهرة من رواية 1919
المشهد الثوري لشحاتة الجن في المظاهرة من رواية 1919

يسمع عبد القادر – وهو بعد عاريًا في بيت بنبة – بخبر أبيه، فينطلق كالمجنون إلى بيت الأمة، حيث الجثمان المسجي، وتثور ثائرته ويحاول محاولة فاشلة تدمير المعسكر الإنجليزي الذي كان يبيع فيه بالأمس، ولكنه ينجو بأعجوبة.

في نفس المكان – وفي ظل ثورة غضبه – يقابل عبد القادر أحمد كيرة. وهو هو نفس المكان الذي تقع فيه عينا أحمد على الزهرة الشابة (نازلي). يسبقه عرض من كيرة لعبد الرحمن فهمي سكرتير الوفد بالتدخل العنيف بعمليات مدروسة ضد الإنجليز، تحت مظلة الوفد وسعد باشا.

وبينما يقترب كيرة من إقناع سكرتير الوفد بوجهة نظره، يقترب أكثر من الفتاة الشابة (نازلي) وتنشأ بينهم علاقة حب، تدعمها جرأة الشاب الوسيم، وحماسته في التقرب إليها، وسمت الإثارة الذي يغطي شخصيته.

على الناحية الأخرى يساعد عبد القادر (ورد) على الهروب من سلطة سلامة النجس، وينضم بعدها إلى جمعية سرية تحت قيادة أحمد كيرة، ويقابل فيها (دولت) التي جعلت منه شخصية أخرى.

أما نازلي .. فبعد قصة الحب المثيرة التي تمنتها ونالتها، حدثت لها أمر، أقل ما يوصف أنه كارثة.

رؤيتي الشخصية لرواية 1919

بالطبع من العبث تلخيص رواية بمثل هذه القوة وتلك الروعة. بل إن تجميع الأحداث بهذا الشكل يعتبر عمل ثوري في حد ذاته، قبل أن يعبر عن ثورة حدثت في أرض مصر.

أشعر – والرأي شخصي بالطبع – أن أحمد مراد يريد أن يوصل رسالة لجيل الثورة بمثل هذه الرواية. يريد أن يخبرهم عن الطريقة المثلى لإنجاح الثورات. عن الطريق الذي سارت فيه ثورة 1919 والمعوقات التي قابلتها، والاعتبارات التي وضعتها ولم تفدها في شيء. وكأنه يقول للشباب المقولة الخالدة للشيخ كشك رحمه الله: “اقرأوا التاريخ”.

كل ما يدور في ذهني الآن، كيف إذا تم تحويل هذا العمل الفريد إلى عمل سينمائي أو تليفزيوني؟ سيتطلب هذا العمل الكثير من الجهد، ليس للإعداد الفني للفترة أو الحقبة الزمنية، ولكن للشخصيات الفذة البطلة التي يجب أن يجب أن تأخذ حقها في التاريخ، بعد أن طواها النسيان.

كيفية شراء رواية 1919 للكاتب أحمد مراد

الآن يمكنك شراء رواية 1919 عبر الإنترنت من موقع جملون لتصلك حتى باب منزلك.

امتلك الرواية الآن

 الشحن مجاني

عن عمرو النواوي

عمرو يحب القراءة.
عمرو يحاول أن يحبب الناس في القراءة.
عمرو ذكي وحبوب .. كن مثل عمرو :)
هذه هي هويتي الشخصية في هذا الموقع:
شخص يحب القراءة ويريد أن ينقل هذا الحب للجميع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *